About
وادي تيفريت.. انشقاق الصخر عن أسرار الهضاب العليا في سعيدة
على مسافة 32 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من عاصمة ولاية سعيدة، وضمن الإقليم الجغرافي لبلدية عين الحجر، وتحديداً في النطاق الريفي التابع لعرش "أولاد براهيم"، يتغير مشهد الهضاب العليا فجأة ليميط اللثام عن خلل جيولوجي مباغت يقع على ارتفاع 950 متراً عن مستوى سطح البحر. وادي تيفريت ليس مجرد نهر عابر، بل هو "فالق كارستي" غائر ينخفض عن سطح الأرض، صَنع نظاماً بيئياً معزولاً ومكتفياً بذاته وسط صخور الحجر الكلسي الشاهقة التي تعود إلى العصر الجوراسي الأوسط. من قاع هذا الانشقاق المفاجئ، تنبثق عيون جوفية باردة أبرزها "عين تيفريت" و*"عين الشلالة"*، تدفق مياهها العذبة بمتوسط حرارة مستقر يبلغ 18 درجة مئوية طوال فصول السنة؛ وبفضل الرطوبة العالية المحتجزة داخل هذه الجدران الصخرية، نشأ حزام نباتي نادر في هذه الارتفاعات يضم أشجار النخيل البري ونباتات الدفلى الفطرية وسرخس الماء، مما خلق مناخاً ميكروياً خاصاً تنخفض فيه درجات الحرارة داخل الأخدود بـ 6 إلى 8 درجات مئوية كاملة عن السهوب الساخنة المحيطة به في فصل الصيف، ليتحول المكان إلى رئة خضراء مخفية وسط إقليم شبه جاف.
هذا النقاء الطبيعي البكر يحرس عذريته مجتمع ريفي محافظ جداً يعتمد على نمط العائلة الممتدة، حيث يمتهن السكان زراعة الحبوب وتربية سلالة أغنام "أولاد جلال" النقية في المراعي المفتوحة، محافظين على روح التضامن التقليدية المعروفة بـ "التويزة" في مواسم الحصاد وجز الصوف. ولم تتأثر عفوية ترحيبهم بنمط السياحة التجارية؛ إذ يخضع استقبال الزوار لعرف "الأمان" البدوي، حيث يُنظر إلى السائح كضيف عابر سبيل تجب حمايته وإكرامه، وتفتح العائلات مساحات رعيها مجاناً لهواة التخييم المستقل (Bivouac) مع تقديم الحليب الطازج والخبز التقليدي، بالمقابل، يتوقعون من الزوار احترام الخصوصية الثقافية للمنطقة والحفاظ على نظافة المجاري المائية. ولأن الوادي لم تلوثه يد الخرسانة، فهو يستقطب حصرياً صناع المحتوى البصري والرحالة الباحثين عن جغرافيا عذراء؛ حيث تبدأ خطة التحرك لوجستياً عبر الطريق الوطني رقم 92 (RN92) ثم الانعطاف عبر مسلك ترابي لـ 7 كيلومترات، ليبدأ ترحال مائي (River Trekking) مشياً على الأقدام لمسافة 4.5 كيلومتر داخل ممرات الأخدود الضيقة التي يتراوح عرضها بين 3 إلى 10 أمتار فقط، ليمتد المسار الطبيعي بعدها لـ 12 كيلومتراً نحو محطة حمام ربي المعدنية التاريخية للاستشفاء بمياهها الكبريتية الحرارية التي تتدفق في درجة 45 مئوية، أو التوجه شمالاً بمسافة 20 كيلومتراً نحو مغارة عين الزرقاء، لتنتهي الرحلة بتجربة استكشافية دسمة تجمع بين سحر الجغرافيا وعمق الرابط الإنساني.
