About
أصول صناعة النحاس في تلمسان: إرث أندلسي زياني
ملتقى حضارات البحر الأبيض المتوسط
يرتبط تاريخ النحاس في تلمسان ارتباطاً وثيقاً بالعصر الذهبي للمدينة تحت حكم الدولة الزيانية (من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر) وبالوصول الكثيف للحرفيين الأندلسيين. هؤلاء الحرفيون، الذين غادروا الأندلس، حملوا معهم تقنيات النقش، الحفر، والتطريق بدقة لا مثيل لها. لتتحول تلمسان آنذاك إلى ملتقى تمازجت فيه التأثيرات المغاربية، الأندلسية، والشرقية داخل قوالب المعدن.
النحاس.. رمز الوجاهة والرفاهية
في الفترات التاريخية الغابرة، كان امتلاك أوانٍ نحاسية مصممة في تلمسان دليلاً على الثراء والرفعة الاجتماعية. وكانت قصور السلاطين، ومنازل أعيان المجتمع التلمساني، والمساجد تُزين بثريات ضخمة، وأحواض، وأبواب مصفحة بصفائح نحاسية منقوشة. وقد تخطى هذا المعدن النبيل العصور ليصبح جزءاً أساسياً لا غنى عنه في جهاز العروس التلمسانية (مثل "السني" أو الصينية النحاسية الكبيرة).
التقنيات المتوارثة: من المعدن الخام إلى التحفة الفنية
التطريق والنقش اليدوي الخالص
تعتمد مهارة حرفي النحاس (النحاس) على التحكم المطلق في النار والقوة. فمن صفيحة نحاسية بسيطة، يشكّل الحرفي أشكالاً هندسية معقدة عن طريق التسخين المتكرر والتطريق بالمطرقة. ثم تأتي المرحلة الأكثر إثارة وهي النقش؛ فباستعمال الإزميل ومطرقة صغيرة، يخط الحرفي على المعدن رسومات هندسية معقدة، وزخارف نباتية، أو خطوطاً عربية أصيلة، دون أي رسم مسبق على القطعة.
النحاس الأحمر مقابل النحاس الأصفر (البرونز)
يستخدم حرفيو تلمسان نوعين رئيسيين من المعادن:
- النحاس الأحمر: أكثر ليونة، ويُخصص تقليدياً لأواني الطبخ (القدر، وأواني تقطير ماء الزهر والورد) نظراً لقدرته العالية على توصيل الحرارة.
- النحاس الأصفر: أكثر صلابة، ويُفضل استخدامه في صناعة التحف الديكورية، صواني الحفلات الكبيرة، والشمعدانات، لأنه يمنح بريقاً يشبه الذهب بعد صقله وتلميعه.
