About
أسرار الطوبوغرافيا الجنائزية – سردية الـ "لجدار" وألغاز ملوك المور
في خاصرة ولاية تيارت، وتحديداً حيث تلتقي الهضاب المتموجة لبلدية مدروسة قرب فرندة، لا تقف الأرض مجرد تضاريس عابرة، بل تتحول إلى أرشيفٍ حجريّ باذخ. هنا ترقد "الأهرامات الثلاثة لجدار" متبوعة بأخواتها العشر، لتشكل مجتمعة ثلاثة عشر ضريحاً جنائزياً ملكياً، مصطفة على قمتي جبل الأخضر وجبل عراوي كحراسٍ أزليين للزمن. هذه الأوابد ليست مجرد قبور، بل هي تجسيدٌ معماري للانتقال الحضاري والسياسي في مغرب الشمس القديم، وملاذٌ أبدي لملوكٍ حكموا الهضاب الشاسعة.
لم تكن هذه الصروح وليدة صدفة، بل نتاج حضارة أمازيغية (مورية) مستقلة وقوية بزغت في الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين. مع ترهل قبضة الإمبراطورية الرومانية، استثمر قادة القبائل الأمازيغية الفراغ السياسي ليؤسسوا إمارات وممالك محلية مهيبة في الغرب الجزائري.
تجلت ثقافة هؤلاء السكان كـ هجين حضاري فريد يجمع بين أصالة الجذور وانفتاح المكتسبات:
العقيدة الأمازيغية والطقوس الجنائزية: تمسك السكان بتقاليدهم الأصيلة في تقديس الملوك والأجداد ودفنهم في شموخ قمم الجبال، وهو امتداد لعمارة القبور الدائرية القديمة (البازينا).
التأثر بالثقافة اللاتينية: برغم استقلالهم السياسي، اعتمدت النخبة الحاكمة والمثقفة اللغة اللاتينية العامية في تدوين شواهد قبورها وتوثيق أمجادها.
المسيحية المبكرة: اعتنقت هذه الممالك المسيحية (على المذهب الدوناتي والكاثوليكي)، ويظهر ذلك جلياً في الرموز والنقوش الدينية الكامنة على صخورها.
وحول هذه الأضرحة، عاش مجتمع مستقر يمارس الفلاحة وزراعة الحبوب وتربية الخيول الأصيلة التي كانت عصب جيوشهم، مبرهنين على مهارة حرفية وهندسية فائقة في قطع الحجارة وتشييد الحواضر.
تتكون هذه الأهرامات الفريدة من كتل صخرية كلسية ضخمة، نُحتت وصُقلت بعناية لتتحدى عوادي الزمن. هندسياً، تنطلق المعالم من قواعد مربعة مصمتة وشاهقة، لتتصاعد في طبقات ومدرجات متقاطعة تنتهي بذروة هرمية تحاكي كبرياء الجبال المحيطة بها.
أما باطن الحجر، فيخفي هندسة غامضة وعوالم جنائزية قائمة بذاتها:
الأروقة الملتوية: ممرات داخلية ضيقة ومظلمة، صُممت بمتاهات مدروسة لحماية السكينة الأبدية لملوكها من النبش والسرقة.
الغرف الجنائزية: حجرات مربعة مدججة بالصخور، تتوسط المعلم حيث كانت توضع جثامين الحكام والأعيان مع متعلقاتهم الثمينة وأوانيهم الجنائزية.
النقوش والرموز الكامنة: جدران الممرات ليست صامتة؛ إذ تحفل برمزية تاريخية تتأرجح بين صور الحيوانات (كالأسود والخيول التي ترمز للقوة والسيادة) وكتابات لاتينية قديمة ونقوش مسيحية مبكرة (مونوغرام \chi\rho)، تروي تمازج المعتقدات وتوالي العصور حتى ذوبان هذه الإمارات في النسيج الإسلامي مع حلول القرن السابع الميلادي.
